الرئيسيةالرئيسية  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : زائرنا الكريم مرحبا بك بين إخوانك في منتديات تبسة الإسلامية ، بعد التسجيل ستجد رسالة تأكيد التسجيل في بريدكم ، نرجوا لكم قضاء وقت مفيد ومريح في هذا الفضاء التربوي العلمي .


آخر المواضيع
الموضوع
تاريخ ارسال المشاركة
بواسطة
حكم عجيبة في آية كريمة
لغز صلاة الثلث الأخير من الليل
دع الحياة تسير كما خلقها الرحمن
الوقت عند السلف الصالح
فضل خدمة الناس وتفريج كرباته
دخل طفل بعمر
ابن خلدون مؤسس ورائد علم الاجتماع في العالم
جلس الزوج أمام مكتبه
السكن في الدنيا يحتاج إلى فكر
ﻓﻼ ﺃﻧﺖ ﻭﺻﻠﺖ ﺍﻟﻘﻤﺮ معهم
الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 10:54
الإثنين 16 أكتوبر 2017 - 22:22
الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 11:22
الخميس 12 أكتوبر 2017 - 13:34
الثلاثاء 10 أكتوبر 2017 - 11:30
الإثنين 9 أكتوبر 2017 - 12:07
الإثنين 2 أكتوبر 2017 - 12:15
الجمعة 29 سبتمبر 2017 - 20:05
الخميس 28 سبتمبر 2017 - 12:11
الأربعاء 27 سبتمبر 2017 - 10:58
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled
abou khaled

شاطر | .
 

 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:32

تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد : فهذه مشاركة أخرى نحاول من خلالها كشف ملابسات الوجود الرافضي في هذه المنطقة الأصيلة من العالم الإسلامي ومعرفة مواقف الأمراء والعلماء والعامة من هذا الطاريء الخبيث الذي مكر بهم وقفز على رؤوسهم وعاث في بلادهم فسادا خصوصا ونحن نعيش في زمن كثرت فيه خطباؤه وقلّ فيه علماؤه فانقلبت الحقائق وزيّفت المقاييس وصار الخوف أن تغيّر الأحكام بتغيّر التصوّرات فنقع من حيث لا نشعر في نفس المطبات التي وقع فيها أجدادنا فإذا كان الحاضر نتيجة للماضي فإنّ المستقبل هو النتيجة الحتميّة لما يصنع في الحاضر .
هي رحلة تلقي بظلالها على فترة مظلمة من فترات مغربنا الإسلامي الأصيل سيطر فيه الباطنية سبّابة الصحابة على دواليب السلطة ومقاليد القرار بما أشربوه من كيد ومكر إستند إلى مجموعة من الظروف الموضوعية والشروط الواقعية التي دفعت ببعض أبنائنا يومها إلى ***** دجاجلة العبيديين على حكّام ذلك العصر وأمرائه نتيجة الحنق الإجتماعي والسياسي الذي صنعه الإستهتار بالحكم وإهمال شأن الرعية والغفلة عمّا يحاك في الظلام ..
لكنّ القوم لم يفطنوا إلاّ وسيوف العبيديين مسلطة على رؤوسهم وأحذيتهم العفنة تدوس على رقابهم فختفت هالة القداسة والتعظيم الزائف التي صنعتها الآلة الدعائية للعبيديين ويقيت الحقائق ماثلة بنارها وسوادها أمام المسلمين ..
وللقاريء أن يتصوّر حجم المأساة والألم والشعور بالعجز والقهر التي كانت تراود عامة المسلمين وعلماءهم وهم يقفون عاجزين عن ردّ سبّابة الصحابة عن غيّهم في أسواق المسلمين ومساجدهم وباقي أماكن تجمّعاتهم ..
فاحذر أيّها القاريء الحصيف أن يخدعك الرافضة بسحر دعايتهم ولتنظر لحال إخوانك المسلمين في البلاد التي يحكمها هؤلاء الأنجاس أو تلك التي يكثر فيها وجودهم ولتقرء شيئا من تاريخ أجدادك معهم ولتنفذ ببصيرتك لما بين السطور فربّ حامل فقه لمن هو أفقه منه وأترككم الآن مع هذا النقل عن كتاب (جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة) وهو دراسة في الصراع العقدي في المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الخامس من إعداد الدكتور إبراهيم التهامي وفّقه الله عزمت على نسخها ونشرها إعتمادا على طبعة مؤسسة الرسالة ناشرون وأستسمح الدار في نسخ الفصل المتعلّق بالوجود الرافضي في بلادنا وهذا لأهميّة ذلك رغم قراءتي لعبارة (حقوق الطبع محفوظو للناشر) على طرّة الكتاب فأرجو أن لا أكون مسيئا لحقوقهم كما أعتذر من القاريء الكريم عدم إضافتي لتعليقات الدكتور وتوثيقه لنقوله وتخريجه للأحاديث وتوجيهه لبعض المقالات وهذا لضيق في وقتي مع شعوري بضرورة نشر مثل هذه الدراسة في هذا التوقيت فأرجو المعذرة على ذلك :


المبحث الأول

دخول التشيّع إلى المغرب

لقد كانت بداية دخول التشيع إلى المغرب وانتشاره به على يد الداعيين الذين أرسلهما الإمام جعفر الصادق (ت 148 ه) كما قيل و (أمرهما أن يبسطا علم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم وينشروا فضلهم) ولا ندري نحن مدى صحة هذه الرواية فقد وردت في رسالة افتتاح الدعوة للقاضي نعمان (ت 363 ه) .
وهذه الرسالة يمكن اعتبارها تاريخا رسميا للدولة العبيدية وهي تصوّر الأئمة العبيديين ودعاتهم أتقياء يرغبون عن المعاصي وعن كلّ نقيصة ولا همّ لهم سوى الدعوة إلى حبّ آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلّم ونشر فضائلهم .
بينما تجد مؤرّخا سنيا وهو ابن عذارى صاحب (البيان المغرب) يذكر أنّ عبيد الله الشيعي المهدي عندما دخل إفريقيا (يعني تونس) أظهر التشيع القبيح وسبّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأزواجه حاشا علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري وزعم أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ارتدّوا بعده غير هؤلاء الذين سمّيناهم .
وهذه صورة أخرى ينقلها مؤرّخ آخر عن انحراف العبيديين وهي صورة تنمّ عن حقد دفين لهذا الدين ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام ولكلّ من يقتدي بهم ويسير في طريقهم من أهل السنة يقول القاضي عياض : (كان أهل السنة بالقيروان أيّام بني عبيد في حالة شديدة من الإهتضام والتستر كأنّهم ذمّة تجري عليهم في كثير الأيام محن شديدة ولما أظهر بنو عبيد أمرهم ونصبوا حسينا الأعمى السباب – لعنه الله تعالى – في الأسواق للسبّ بأسجاع لقّنها يتوصّل منها إلى سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم في ألفاظ حفظها وعلّقت رؤوس الأكباش والحمر على أبواب الحوانيت عليها قراطيس معلّقة مكتوب عليها أسماء الصحابة اشتدّ الأمر على أهل السنة فمن تكلّم أو تحرّك قتل ومثّل به ) .
فهذه الصورة والتي قبلها تختلفان بل وتتناقضان مع الصورة التي قدّمها القاضي النعمان عن هؤلاء القوم وسيأتي فيما يلي من البحث ما يعضد ويؤيّد بل ويصدّق ما قاله ابن عذارى والقاضي عياض عندما نتحدث عن المحنة التي تعرّض لها علماء المغرب بسبب مواقفهم الجريئة والحازمة من انحرافات بني عبيد .
ولا يفوتنا هنا التنبيه على أنّ الشيعة على اختلافهم يبيحون الكذب لأنفسهم من أجل تحسين صورتهم وإخفاء وجههم القبيح .
من هنا يمكننا القول : إنّ هذه الرواية المنقولة عن الإمام جعفر الصادق لا ندري مدى صحّتها لأنّنا – نحن أهل السنة – نعتقد أنّ الإمام جعفر الصادق كان من أهل السنة الذين يوالون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم جميعا لا يفرّقون بين أحد منهم فلا يعقل أن يرسل داعيين ليمهدا بدعوتهما إلى قيام دولة باطنية ملحدة تضمر الإلحاد وتظهر الإسلام وحبّ آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول الإمام الباقلاني عن العبيديين : (هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر) .
وعلى فرض صحّة هذه الرواية فلا يعدو أن يكون إرساله لهذين الداعيين وهو دعوة أهل تلك البلاد إلى الإسلام الذي جاء به نبيّنا صلى الله عليه وسلم وسار عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم بعده ومهما يكن الأمر فإنّ بجهود هذين الداعيين دخل التشيع إلى المغرب الإسلامي وكان هذان الداعيان : أبو سفيان الحسن بن القاسم الذي نزل بإحدى المدن المغربية واسمها تالة وأقام بها وابتنى مسجدا واشترى عبدا وأمة وأظهر من العبادة والنسك والفضل ما اشتهر به بين الناس فأقبلوا عليه من جميع الجهات فكان يروي لهم أحاديث في فضل أهل البيت وعلمهم وقد تشيّع على يديه عدد كبير من أهل هذا البلد ونزل الرجل الثاني وهو عبد الله بن علي بن أحمد المعروف بالحلواني بإحدى المدن التونسية وفعل كصاحبه فتزوج وابتنى مسجدا وأظهر من العبادة والنسك ما اشتهر به ومضى ينشر دعوته
ي أوساط سكانها وتشيّع به كثير من أهل تلك المدينة وقد وجد عدد كبير ممن ممن كان يحمل الفكر الشيعي ويدين به وذلك قبل دخول أبي عبد الله الشيعي ولعلّ ذلك كان بتأثير دعوة هذين الرجلين وسريانها في المغرب فمن هؤلاء : يحيى بن يوسف المعروف بالأصمّ وامرأته وإسماعيل بن نصر المعادي وأبو حيون المعروف بابن المفتش وموسى بن مكارمة ومحمد بن عمر المروذي وعبد الله بن كليب ومحمد بن محفوظ القمودي .
ولم يقدّر لهذين الداعيين أن يعودا إلى المشرق إذا ماتا حيث قاما بدعوتهما وبهما انتشرت الدعوة الشيعية في جزء كبير من بلاد المغرب وأصبحت تلك البلاد مهيأة لقدوم الداعي صاحب البذر الذي سيبذر فيها دعوة آل البيت ومذهبهم هذا الداعي هو أبو عبد الله الشيعي الذي سيره أبو الشلعلع إلى المغرب سنة 278 ه وأمره بالمرور على ابن حوشب باليمن ليفيد من علمه فجاءه ولزمه وأفاد منه حتى صار من كبار أصحابه فعهد إليه ابن حوشب بالذهاب إلى المغرب للدعوة وقال له : (إنّ أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وليس لها غيرك فبادر فإنّها ممهدة ) .
وقبل التوجه إلى المغرب – كما أمر – مرّ أبو عبد الله الشيعي بمكة المكرمة – شرّفها الله – وذلك أواخر ذي القعدة أو مستهلّ ذي الحجة من سنة 279 ه حيث لقي جماعة كتامة الذين يسّروا له الطريق إلى المغرب التي دخلها في ثوب معلّم للقرآن وعندما تيقّن أبو عبد الله من نصرة كتامة لدعوته أعلن بإمامتهم للرضا من آل محمّد صلى الله عليه وسلم وقال : (أنتم أنصار أهل البيت وشيعتهم) وأخبرهم عن نفسه بأنّه صاحب البذر الذي ذكره لهم أبو سفيان والحلواني ثمّ قال لهم : (أنا لا أدعوكم لنفسي وإنّما أدعوكم لطاعة الإمام المعصوم من آل البيت ) .
عند ذلك أعلن أهل كتامة طاعتهم له وبدأ هو في تنظيم مجتمعهم – كما زعم – على غرار ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة من التآخي بين المسلمين حيث أنشأ لهم دار هجرة وسماهم المؤمنين وغيرهم الكافرين ... إلخ وقد دخل في دعوته عدد كبير من الناس وكان أشدّ الناس عليهم هم المالكية وسيأتي ذكر الأسباب التي جعلتهم يقاومون الدعوة الجديدة .
وهنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع بين علماء السنة المغاربة من جهة والشيعة العبيديين من جهة ثانية ذهب ضحيّتها عدد كبير من خيرة علماء السنة وكانت الغلبة أخيرا للمذهب الحق وخرج العبيديون من هذه الأرض الطيّبة بعد أن ضاقت بهم ليبحثوا عن موطن آخر ينشرون فيه دعوتهم فحطوا رحالهم في أرض مصر .

التشيّع بالأندلس :

بعدما عرفنا الطريق التي دخل منها التشيع إلى المغرب من ناحية تونس أنتقل إلى الحديث عن دخوله إلى الأندلس وذكر دخول التشيع إلى الأندلس مفصّلا لسببين اثنين :

الأوّل : بعد المسافة بين الأندلس وتونس
أمّا السبب الثاني : فإنّ الطريق التي دخل منها التشيع إلى الأندلس تختلف عن الطريق التي دخل منها إلى تونس وما وراءها من بلاد المغرب لذلك كان لابد من ذكر كلّ واحد على حدة .

لقد تبيّن للشيعة – كما تبيّن لغيرهم من دعاة الأفكار المنحرفة – أنّ جماعات البربر في شمال إفريقيا هم أصلح ما يكون لدعوتهم فلذلك اتجهوا إلى هذه البلاد وكان أوّل محاولة قام بها شيعي في الأندلس هي تلك التي قام بها عمر بن حفصون (ت 306 ه) الذي ظهر في جنوب الأندلس وقام بثورات دامت لسنوات طويلة وقد اهتبل فرصة وجود الفاطميين بإفريقيا (تونس) ليقيم دعوتهم في الأندلس .
ومن الرجال الذين ساهموا في نشر التشيع في الأندلس عباس بن ناصح الثقفي الشاعر الذي أوفده أبو مطرف عبد الرحمن بن الحكم (ت 237 ه) إلى العراق لالتماس الكتب القديمة التي تتناول العلوم المختلفة من طبّ ونجوم وعاد إلى بلاده بأفكار يشمّ منها رائحة التشيّع مثل القول بخروج المهدي والقول بالرجعة والأئمة السبعة إلى غير ذلك .
وكما انتشر التشيّع على يد أمثال هؤلاء فإنه انتشر أيضا بجهود الجواسيس الذين كان الفاطميون يستعملونهم للدعاية لمذهبهم في الأندلس وكان هؤلاء الجواسيس يسترون أهدافهم الحقيقية تحت ستار من المصالح المشروعة كالتجارة أو العلم أو السياحة الصوفية .
ومن هؤلاء الجواسيس الذين كان لهم أثر كبير في نشر الفكر الشيعي بالأندلس أبو اليس الرياضي الذي يعتبره المؤرّخون أوّل الجواسيس المشارقة بالأندلس ولا تذكر المصادر التي ترجمة له الكثير عنه وذلك لأنّه لما كانت مهمته سريّة فإنّ الأخبار عنهم تكون قليلة فقد ذكروا عنه أنه كان أديبا محتالا دخل الأندلس في أيام الأمير محمد مفتعلا كتابا على لسان أهل الشام ولكن يبدو أنّ الأمير محمد فطن لأغراضه الخبيثة فاحتفى به وأكرمه دون أن يمكنه من مباشرة نشاطه فاضطرّ إلى مغادرة الأندلس .
ولكن إن كان أبو اليسر لم ينجح في مهمته كلّ النجاح فإنه بلا ريب استطاع أن ينقل إلى هذه البلاد بعض الثقافة الأدبية الشيعية مثل شعر دعبل الخزاعي (ت 246 ه) الذي كان من أهم ألسنة الشيعة بالمشرق إلى كثير من رسائل الكتّاب العباسيين .
ولما توفى أبو اليسر خلفه في مهمته ابن هارون البغدادي الذي قدم هو الآخر متجسسا وقد تردد على الأندلس أعواما ووفق لما لم يوفق له سلفه أبو اليسر إذ اكتتبه عبيد الله المهدي بعد أبي اليسر واستعان به على أمر دعوته وكان له في ذلك رأي جميل ونفع عظيم وكان له دور هام في إذاعة تعاليم الشيعة العبيديين .
ومنهم من تأثّر بالدعوة الشيعية وإن لم يكن له إسهام في نشر تعاليمها فقد ذكر صاحب (البيان المغرب) أنه كان بالأندلس معلم للقرآن لم تحفظ المصادر اسمه قام في شرق الأندلس سنة 237 ه وادعى النبوة وكان يتأوّل القرآن على غير تأويله وقد قبض على هذا المتنبيء وحوكم بتهمة الزندقة وعرضت عليه التوبة فلما رفض إعلان التوبة صلب وهذه النزعة إلى تأويل القرآن تدلّ على أنه كان متأثّرا بالدعاية الشيعية .
وممن تأثّر بالإتجاه الشيعي محمد بن شجاع الوشقي (ت 305 ه) الذي كان يرى جواز نكاح المتعة وهو بدون شك متأثّر في ذلك بالشيعة الإثني عشرية وقد قتل هذا الرجل مصلوبا .
ومنهم أيضا : محمد بن إبراهيم بن حيون (ت 305 ه) الذي كان يتهم بالتشيع لشيء كان يظهر منه في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما .
ومن الذين تأثّروا بالتعاليم الشيعية أيضا : منذر بن سعيد البلوطي (ت 355) ه فبالرغم من أن مذهبه في الفروع كان مذهب النظّار والإحتجاج وترك التقليد وكان يميل إلى رأي داود الظاهري ويحتج له إلاّ أنه في الأصول كان يذهب مذهب أهل الكلام بصيرا بالجدل لهجا بالإحتجاج وقد تأثّر ببعض الآراء الشيعية ومن مظاهر هذا التأثّر ما نقل عنه من آراء عمد فيها إلى تأويل القرآن الكريم تأويلات باطنية وكان في ذلك متأثّرا بالتأويلات الشيعية .
ومنهم أيضا : عبادة بن عبد الله بن عبادة (ت 319 ه) الذي كان يتشيّع ويتعصّب ضدّ بني أميّة .
ولم يقتصر التشيع على الأفراد بل تعدّاهم إلى الدولة حيث قامت دولة الحموديين على أصول شيعية إلاّ أنّ تشيّعهم لم يكن ظاهر المعالم كما هو الشأن بالنسبة للدولة البويهية في إيران بل كان تشيّعهم أقلّ تطرّفا ليس في الإعتقاد ولكن في سلوكهم مع الرعية وسياستهم حيث أنّهم أخذوا من المذهب الشيعي بالقدر الذي يحقّق لهم مصالحهم السياسية .
نعم إنهم كانو يدينون ببعض المباديء الشيعية مثل القول بأنه : (لا تتم ديانة إلاّ بإمام) وأنه يجب على كلّ مسلم أن يعرف إمام زمانه إلاّ أنّهم لم يحاولوا فرض هذه المباديء على غيرهم والسبب في كونهم أقلّ تطرّفا هو بغض الناس لهم وكراهية الأندلس للاتجاه الشيعي لأنّ الاتجاه السني كان هو السائد في الأندلس .
ولكن على الرغم من ذلك فقد انتشرت في عهد الحموديين الدعوة الشيعية وثقافتها انتشارا واسعا وانتشرت كتبهم ومؤلّفاتهم عن طريق الرحالة الشيعة الذين قدموا إلى الأندلس من بغداد التي كانت آنذاك مركزا مهما من مراكز الشيعة في العالم الإسلامي .
ومن هؤلاء الرجال الذين انتشر بهم المذهب الشيعي والثقافة الشيعية في تلك الفترة : أبو الحكم عمر بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي (ت 458 ه) فهو أوّل من أدخل رسائل إخوان الصفا إلى الأندلس وهي رسائل ذات نزعة شيعية واضحة حتى أنها نسبت إلى بعض الأئمة العلويين وكذلك انتشر المذهب الشيعي الذي قوي في عهد بني بويه ببغداد (أواخر القرن الرابع وبداية الخامس) الذي كان من أزهى عصور الأدب الشيعي ففي ظلّه نشأ بديع الزمان الهمداني (ت 398 ه) ومن الشعراء الشريف الرضي (ت 405 ه) ومهيار الديلمي (ت 428 ه) .
وبعد فهذه جملة مختصرة عن دخول التشيّع إلى المغرب الإسلامي أحببت أن أجعلها مدخلا لمقاومة التشيّع من قبل علماء المغرب السنة .
ومن خلال هذا المدخل نعلم أنّ التشيّع كان متركّزا بشكل كبير في تونس وما يليها من البلاد بحكم وجود الدولة العبيدية الشيعية والتي فرضت مبادئها بالقوة واستعملت من أجل تحقيق ذلك كلّ وسائل الضغط من العسف والتقتيل وغير ذلك ومن هنا فإنّ المقاومة السنية للتشيّع ستكون في هذا الجزء من المغرب الإسلامي أقوى منها في الجزء الآخر والله المستعان .


عدل سابقا من قبل العاصمي من الجزائر في الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:39 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:33

المبحث الثاني

المقاومة السنية للتشيّع


1 – مقاومة الدولة :


في دراسة هذا الموضوع سأحاول إبراز جهود علماء المغرب في مقاومة التشيع بالمغرب الإسلامي ولست في هذه الدراسة مؤرّخا للأحداث وإنما أحاول أن أعطي صورة لموقف علماء السنة من هذه البدعة في هذا الجزء من العالم الإسلامي الممتد كذلك لا أقصد في هذا الفصل إبراز موقف الدولة من هذه الدعوة لأنّ ذلك موضوع سياسي لا علاقة له بموضوعنا ولكن لا بأس أن أشير إلى ذلك إشارة عابرة حتى تكتمل الصورة لدى القاريء فأقول :

لقد كان موقف الدولة الأموية بالأندلس من الدعوات الشيعية موقفا حازما متشددا تمثّل في الوقوف في وجه الدعوة الشيعية بكلّ قوة إلاّ أن موقفها القوي هذا لم يلجئها إلى تجريح الأشخاص بل كان موقفها في هذا الجانب يتميز بالكثير من الإعتدال حيث لم يتعرّض الأمويون لشخص الإمام علي رضي الله عنه بالسب والطعن على المنابر كما فعل إخوانهم بالمشرق مما أثار عليهم غضب أهل السنة فضلا عن الشيعة ولذلك نجد الإمام ابن حزم رحمه الله مثلا رغم نزعته الأموية يعيب على الأمويين بالمشرق ما ارتكبوه في حقّ علي وآله رضي الله عنهم بينما نجده يعد من فضائلهم بالمغرب امتناعهم عن ذلك .
ولكن موقفهم هذا لم يمنعهم من الإنتقاص من علي رضي الله عنه بطريقة أو بأخرى في أوقات التوتر السياسي مثال ذلك ما يقصّه الخشني (ت 371 ه) عن الأمير محمد (238-286 ه) في مسألة اشتغاله بتعيين قاض للجماعة في قرطبة فيذكر أنّ الأمير محمدا رأى في منامه كأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين يقدمون فيسلمون على رجل بعينه ولم يذكر في الخلفاء عليا رضي الله عنه .
وقد أخذت مقاومة الدولة الأموية للتشيع أشكالا متعددة تمثلت في تشجيع المذهب السني على الإنتشار كما كان لها بالأندلس عيون وجواسيس منبثون في جميع أنحاء المغرب فكان هؤلاء الجواسيس يوافون حكوماتهم بما يهمها من أخبار هذه البلاد أولا بأول وقد ساعد هؤلاء الجواسيس في مهمتهم وجود جالية أندلسية ضخمة في كلّ مدينة وكانت هذه الجاليات شديدة التمسك بالمذهب السني الذي كان رسخ بالمغرب شديدة الكراهية والبغض للمذاهب البدعية على اختلافها ولا سيما المذهب الشيعي إلى حد الإستماتة في مقاومته ولعلّ هذا السلوك هو الذي جعل حياة الدعوة الشيعية بالمغرب قصيرة فعزموا على إخلاء المكان والبحث عن مستقرّ آخر لدعوتهم .
لقد استطاع الأمويون أن يصبغوا الأندلس بلون أموي واستطاعوا أن يبذروا بذور الكراهية للتشيع والشيعة في نفوس الناس علمائهم وعوامهم وإن كان بعض العقائد الشيعية قد تسرّب إلى الأندلس إلاّ أنّ تأثيرها كان ضعيفا وبقيت الأندلس سنية ويلاحظ من خلال تراجم الأندلسيين لبعض من نسب إلى التشيع مثل قولهم (كان يميل إلى التشيع) و(كان يقول بنكاح المتعة) و(تركه الناس من أجل تشيع كان فيه) إلى غير ذلك من عباراتهم الدالة على اهتمامهم بهذا الجانب اهتماما بالغا حتى قال المقدسي (313 ه) في أحسن التقاسيم عن الأندلس في القرن الرابع : (إنّ الأندلسيين إذا عثروا على معتزلي أو شيعي فربّما قتلوه) .
وهناك ملاحظة مهمة تجدر الإشارة إليها وهي التعاون الذي كان قائما بين الدولة وبين العلماء في تتبع المبتدعة ومحاكمتهم وقطع الطريق أمامهم حتى لا ينشروا فسادهم ولا بأس هنا أن أشير إلى مثال على ذلك وهو مثال يدل أيضا على تشدد الدولة الأموية مع الشيعة ومع غيرهم من الزنادقة :
تذكر المصادر أنه كان بالأندلس رجل يدعى أبا الخير الإشبيلي الشيعي وكان هذا الرجل يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعلن بذلك وبأشياء أخرى خطيرة كإنكار البعث وقوله بأنّ الخمر حلال شربها وغير ذلك من المنكرات كطعنه في القرآن بقوله : (إنّ النصف الأخير فيه خرافات) وزعم أنه يستطيع أن يأتي مثله .
وبناء على هذه الشهادات أفتى الفقهاء منذر بن سعيد البلوطي وغيره بأنّ الرجل ملحد كافر وقد وجب قتله من غير أن يعذر ورأى جماعة غيرهم أنه يعذر ويستتاب ورفعوا الأمر بذلك إلى أمير المؤمنين الذي رأى أن الحق والصواب في قول من أشار بقتله بلا إعذار لما استفاض من إلحاده وانتشر ذلك عنه فأمضى ذلك فيه وأمر بصلبه غضبا لله عزّ وجلّ ولكتابه العزيز ولرسوله صلى الله عليه وسلم ليكون تشديدا على من ذهب إلى مذهبه أو ثبت عليه سبب من أسبابه ولما نفذ فيه أمر الله تعالى كتب الفقهاء كتابا رفعوه لأمير المؤمنين يشكرونه على موافقته على فتوى الفقهاء بسفك دم هذا الزنديق ويذكرون له فيه ما أظهره الناس من السرور والفرح بما أمر به في الملحد من استئصاله وقطع شأفته حيث كانوا يتلاقون بالتهاني بما أطلعهم الله عزّ وجلّ من باطن أمير المؤمنين في الغضب لله عز وجل ولكتابه العزيز ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللسلف الصالح من صحابته رضي الله عنهم ولشدته وبطشه وعزيمته في الإنتقام ممن طعن في الدين إلى غير ذلك مما قدموه من فروض الطاعة وآيات الشكر فجاوبهم الأمير بكتابه نوه فيه بجهود العلماء في كشف المنحرفين والمبتدعة والزنادقة وطمأنهم أنه ماض على تلك السياسة مع كلّ منحرف عن منهج أهل السنة قال : (وقد بلغني أن جماعة على مذهبه وأمرت الحكام بالتشديد عليهم وإخافتهم) فهذه القضية توضح مدى اهتمام الدولة الأموية في الأندلس بتتبع الزنادقة والشيعة لقطع الطريق أمامهم ومدى تعاونها مع العلماء في ذلك .

2 – مقاومة علماء المغرب للتشيع :

بعدما عرفنا موقف الدولة الأموية من الدعوة الشيعية أنتقل للحديث عن العلماء ومواقفهم إزاء هذه الدعوة فأقول :

إنّ موقف العلماء كان أقوى وأشد من موقف الدولة لأنهم كانوا يصدرون في موقفهم من دافع ديني بحت أما الدولة فكانت تصدر في كثير من مواقفها من منطلقات سياسية وقد أخذت مقاومة علماء المغرب للتشيع أشكالا متعددة وأنماطا مختلفة فمرة تكون المقاومة في شكل اعتزال لكل ما هو شيعي وكل ما له صلة بالتشيع ومرة كانت تأخذ شكل الجدال فتقع بين أهل السنة وبين الشيعة معارك جدلية عنيفة يقودها جماعة من الفريقين من أهل العلم والذكاء والشجاعة وبلغت في بعض الأحيان إلى أن تأخذ شكل المقاومة المسلحة يحمل فيها علماء السنة السلاح ويحضون العامة على ذلك لمقاومة هذه البدعة ولا نستغرب ذلك إذا عرفنا السبب الحقيقي لهذه المقاومة الذي كان يتمثل في سلوك الشيعة المخالف للإسلام فقد كان القتل والتعذيب من أبرز سمات حكم العبيديين ومقاومة كل ما هو سني بالإضافة إلى الإباحية والشذوذ وغير ذلك من المخالفات التي وقعوا فيها وتارة تكون المقاومة بأساليب أخرى يأتي الحديث عنها

__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:34

المبحث الثالث

الجوانب التي وقع فيها الإنحراف

في هذا المبحث أحاول أن ألخص مظاهر انحراف الشيعة العبيديين والتي أدت إلى قيام علماء المغرب عليهم فضلا عن الإنحراف العقدي الذي كان السبب الأوّل في هذه المقاومة فيما يلي :

1 – إبطال بعض السنن المتواترة والمشهورة والزيادة في بعضها كما فعلوا في زيادة (حيّ على خير العمل) في الأذان وإسقاط صلاة التراويح بعد أن ترك الناس يصلونها عاما واحدا ولهذا ترك الناس الصلاة في المساجد .
ويا ويح من يسقط عبارة (حيّ على خير العمل) من الأذان من ذلك ما روي أن عروس المؤذن (ت 317 ه) وكان مؤذنا في أحد المساجد شهد عليه بعض الشيعة أنه لم يقل في أذانه (حيّ على خير العمل) فكان جزاؤه أن قطع لسانه ووضع بين عينيه وطيف به القيروان ثمّ قتل إلاّ أنّ بعض العلماء فطن لكيد العبيديين وأغراضهم الخبيثة وراء ذلك وهو إخلاء المساجد من المصلين ودفعا لهذه المفسدة أذنوا للمؤذنين أن يزيدوا (حيّ على خير العمل) لأنّ تركها يؤدي إلى مفاسد أعظم ومن هؤلاء العلماء : أبو الحسن علي بن محمود بن مسرور الدباغ (ت 359 ه) الذي كان من أهل الورع والعبادة والخشوع فقد فطن لغرض العبيديين فكان أن قال للمؤذنين : (أذنوا على السنة في أنفسكم فإذا فرغتم فقولوا : (حيّ على خير العمل) فإنّما أراد بنو عبيد إخلاء المساجد لَّفِعلُكم هذا – وأنتم معذورون – خير من إخلاء المساجد) .
2 – غلو بعض دعاتهم في المهدي حتى أنزلوه منزلة الإله وأنه يعلم الغيب وأنه نبي مرسل يقول بدر الدين قاضي شهبة : (وكان له (أي المهدي) دعاة بالمغرب يدعون الناس إليه وإلى طاعته ويأخذون عليهم العهود ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم فمنهم من يلقون إليه أن المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه ومنهم من يلقون إليه أنه الله الخالق الرازق) .
أمّا زعمهم بأنّه إله فيظهر في أفعال دعاته وأقوالهم وأشعارهم فقد كان هناك رجل يدعى أحمد البلوي النحاس (يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله بها وهي منه إلى المغرب فلما انتقل إلى المهدية وهي منه إلى الشرق صلى إليها) باعتبار أنها مثل مكة المكرمة –شرّفها الله- وهذا الإعتقاد كان سائدا عند كثير من الناس يومها فهذا أحد شعراء بني عبيد يقول في المهدية بعد انتقال المهدي إليها :

ليهنك أيها الملك الهمــــــــــــام ........ قدوم فيه للدهر ابتســـــــام
لقد عظمت بأرض الغرب دار ....... بها الصلوات تقبل والصيام
هي المهدية الحرم الموقـــــى ........ كما بتهامة البلد الحـــــــرام
كأنّ مقام إبراهيم فيـــــــــــــه ........ ثرى قدميك إن عدم المقام
وإن لثم الحجيج الركن أضحى ....... لنا بعراص قصركم التثام
لك الدنيا ونسلك حيث كنتم ........ فكلكم لها أبدا إمـــــــــــام
ومن الشعر أيضا في تأليهه ما مدحه به محمد البديل حيث يقول :
حلّ برقادة المسيــــــــــح ............حلّ بها آدم ونــــــــــــــوح
حلّ بها أحمد المصفى ............ حلّ بها الكبش والذبيــــح
حلّ بها الله ذو المعالي ............. وكلّ شيء سواه ريـــــــح


وأمّا زعمهم أنه كان يعلم الغيب فيظهر من أيمان بعضهم حيث كان إذا أقسم يقول : (وحقّ عالم الغيب والشهادة مولانا الذي برقادة) وقد سخر بعض أحداث القيروان من تلك الدعاوي وكتب هذين البيتين إلى المهدي وأرسلهما في بطاقة يقول فيها :

الجور قد رضينا ..... لا الكفر والحماقة
يا مدّعي الغيوب .... من كاتب البطاقة



3 – التسلّط والجور وإعدام من يخالف مذهبهم هذا بالإضافة إلى كلّ ما ذكرته آنفا على لسان القاضي عياض من طعنهم في الصحابة وتعليق رؤوس الأكباش الدالة - في زعمهم – على أسماء الصحابة وغير ذلك من الأفعال القبيحة والشنيعة التي كانوا يقومون بها.

4 – منعوا الفتاوى بمذهب مالك وقصروها على مذهب أهل البيت فبقي من يتفقّه لمالك إنما يتفقه خفية كما منعوا تعليم أصول الشريعة على مذهب أهل السنة ومنعوا شيوخ القيروان من إلقاء دروسهم في جامع عقبة اللهم إلاّ دروس اللغة العربية وما ليس له صلة بالعقائد الأمر الذي جعل شيوخ القيروان يركنون إلى إقراء تلاميذهم تلك العلوم في بيوتهم ودكاكين حرفهم .

يقول الدباغ : (كان ربيع القطان (ت333ه) ملتزما الإقراء في الحانوت الذي يبيع فيع القطن وفيه كان يأتيه من يدرس عليه من الطلبة أو يسأله و يستفتيه) .

5 – فرض المهدي على الخطباء أن يدعوا له على المنابر بهذا الدعاء : فبعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمير المؤمنين علي وعلى فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وعلى الأئمة من أولادهم بعد هذا أمرهم أن يقولوا : (اللهم صل على عبدك وخليفتك العالم بأمر عبادك في بلادك أبي محمد عبيد الله الإمام المهدي بالله أمير المؤمنين كما صليت على آبائه وخلفائه الراشدين المهديين الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون اللهم وكما اصطفيته لولايتك واخترته لخلافتك وجعلته لدينك عصمة وعمادا ولبريتك موكلا وملاذا فانصره على أعدائك المارقين وافتح له مشارق الأرض ومغاربها كما وعدته وأيدته على العصاة الضالين إنّك أنت الحقّ المبين )

وكرد فعل على هذا السلوك وهذه الأعمال المنافية لعقائد الإسلام وأخلاقه نجد مواقف علماء المغرب متباينة فمنهم من ترك البلاد خوفا أن يفتن في دينه ومنهم من قاوم وصبر وتحدى ومن هذا الصنف ذهب جمع كبير إلى ربهم شهداء

ومنهم من أقام بينهم يداريهم ويداهنهم طمعا في عطاياهم ومناصبهم التي كانوا يغدقون وينعمون بها على من يواليهم ولكن هذا الصنف من الناس – وإن كان أمن مكر العبيديين – فإنه أصبح منبوذا من قبل علماء السنة

والذي ينبغي الإشارة إليه هو أنّ علماء المغرب – وسدا للذريعة – أفتوا بكفر من يعتنق مذهب العبيديين ولو مكرها وكان قلبه مطمئنا للإيمان فقد جاء في (معالم الإيمان) فتوى فيمن دخل مذهب العبيديين بإكراه هل يكفر بذلك أم لا ؟ فأجاب الشيوخ أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني وأبو القاسم بن شبلون وأبو الحسن القابسي وغيرهم :
(لا يعذر أحد في ذلك لأنه أقام بعد علمه بكفرهم وكفرهم ارتداد وزندقة بخلاف غيرهم) .
و لما حمل أهل طرابلس لبني عبيد أظهروا أن يدخلوا في دينهم عند الإكراه ثمّ ردوا من الطريق سالمين فقال ابن أبي زيد القيرواني : (هم كفار لاعتقادهم ذلك) .
وقد تعقّب صاحب المعالم هذه الفتوى بقوله : (الأقرب أنهم ليسوا بكفار وإنما صرح أبو محمد بما ذكر مبالغة لتنفير العامة لأنّ المطلوب سد هذا الباب وأما فيما بينهم وبين الله فما قلناه ) .
وهذا الذي قاله صاحب المعالم هو الذي دلّ عليه القرآن فقد قال تعالى في محكم تنزيله : (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ) [النحل : 106] وسبب نزول هذه الآية - كما ذكر المفسّرون – أنّ المشركين أخذوا عمار بن ياسر رضي الله عنه فعذّبوه حتى قاربهم (أي وافقهم) في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : (كيف تجد قلبك) ؟ قال : مطمئنا بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم : (إن عادوا فعد) فكانت رخصة في مثل هذه الحال .
من هنا جاءت مواقف العلماء متباينة فمن خاف أن يفتن في دينه هرب وتحول إلى بلد آخر ولكن عدد الذين هربوا وتركوا البلاد كان قليلا إذا ما قورن بالذين أقاموا وجاهدوا وصبروا ولو كان العدد كبيرا لأثّر ذلك على المواجهة لذلك يقول صاحب المعالم مشيدا بمشيخة القيروان : (وجزى الله مشيخة القيروان خيرا هذا يموت وهذا يضرب وهذا يسجن وهم صابرون لايفرون ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة رحمهم الله ورضي عنهم ) .



النوع الأول:


العلماء الذين هربوا بدينهم

ومن هؤلاء الذين تركوا البلاد هربا بدينهم : أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي (ت 313 ه) فقد انتقل من القيروان إلى سوسة حيث استوطنها ومنهم : أبو البشير محمد بن أحمد بن يونس السوسي (ت 331 ه) وكذا أبو محمد عبد الله التاهرتي (ت 313 ه) وأبو محمد يونس بن محمد الورداني (ت 299 ه) الذي كان يتستر وراء رعي البقر في برية القيروان حتى مات وكان قد خير أهله بين ترك إفريقية (تونس) والفرار بدينه من فتنتهم فلا يرونه أبدا وبين أن يتركوه يرعى البقر فقالوا له : (إن ما ذكرت يشق علينا فكونك معنا نرى وجهك أحب إلينا من هروبك وانقطاع خبرك عنا ) فأقبل على رعي البقر فكان إذا أصبح أخذ مصحفه وأخذ عصاه وساق البقر بين يديه وأبعدهما عن العمارة وأقبل على قراءة القرآن النهار أجمع فإذا أمسى واختلط الظلام أقبل بالبقر إلى منزله فكان هذا دأبه حتى لقي ربه .
ومن الذين خرجوا من ديارهم فارين بدينهم : ابن الخزاز المليلي (ت 330 ه) الذي كان قاضيا بمليلة وهرب إلى قرطبة سنة 325 ه خشية من جنود الشيعة وكان فقيها شاعرا فأجاره الناصر وسجل له قضاء ناحيته .
ومنهم : أبو عبد الله محمد بن نظيف البزاز الفقيه (ت 355 ه) الذي خرج إلى المشرق لما ظهر سب السلف بالمغرب عند اشتداد أمر بني عبيد .

النوع الثاني :

العلماء الذين صبروا وجاهدوا :

ومن العلماء من آثر مقاومة الشيعة والموت في سبيل الله على الهرب ومن هذا الصنف من العلماء ذهب عدد كبير إلى ربّهم شهداء على يد عبيد الله وبنيه ويقول أبو الحسن القابسي : (إنّ الذين قتلهم عبيد الله وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت) يقول سهيل الشاعر :

وأحلّ دار النحر في أغلاله ...... من كان ذا تقوى وذا صلوات

وكان الذي تولى مهمة تعذيب العلماء المعارضين للدولة العبيدية وتقتيلهم : محمد بن عمر المروذي الذي كان معتقدا لمذهب الشيعة معروفا بذلك فلما دخل الشيعي بادر إليه ودخل في دعوته ولزمه فولاه قضاء إفريقيا وتصلب وتكبر وتجبر وكانت أيامه صعبة جدا وأخاف أهل السنة وعذب العلماء وقتلهم وأخذ أموال الأحباس والحصون .
ولكن الله تعالى انتقم منه وقتله على يد من كان يخدمهم ويتقرّب إليهم قال الخشني : (تطاول على رجال صالحين فضربهم وحبسهم ولما تمادى في التنكيل بالعلماء كثر منه التشكي إلى المهدي فعزله وعذبه ثمّ قتله ) .
ومن هؤلاء الذين قتلهم الشيعة بسبب مواقفهم الصلبة نذكر ابن البردون (ت 299 ه) وابن هذيل الفقيه (ت 299 ه) فقد قتلا معا وكان السبب في قتلهما أن الإمام ابن البردون كان يقول : (كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقيم الحدود بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويعينه في أموره فلو لم يكن عنده إمام هدى مستحقا للتقدمة ما فعل ) فبلغ قوله أبا العباس الشيعي فقال : (كان يوسف الصديق عليه السلام من أعوان العزيز بمصر يعينه في أموره فما كان فيه نقص ليوسف ولا زيادة في مقدار العزيز) .
وكان الإمام ابن الهذيل يروج قول ابن البردون وينشره في الناس فأرسل عبيد الله الشيعي من يأتيه بهما فلما أدخلا عليه وجداه على سرسر ملكه جالسا وعن يمينه أبو عبد الله الشيعي وأبو العباس أخوه فلما وقفا بين يديه قال لهما أبو عبد الله وأبو العباس : (نشهد أن هذا رسول الله – وأشارا إلى عبيد الله الشيعي – فرد عليهما ابن البردون وابن الهذيل بلفظ واحد : (والله الذي لا إله إلاّ هو لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان : نشهد إنه رسول الله ما قلنا : إنه رسول الله ) فأمر عبد الله عند ذلك بقتلهما وأمر بربطهما إلى أذناب البغال وقيل : إن ابن البردون لما جرد للقتل قال له قاتله : أترجع عن مذهبك ؟ فقال أ عن الإسلام تستتيبني) .
ومن هذا الصنف من العلماء أيضا : أبو جعفر المعافري (ت 301 ه) الذي أمر عبيد الله المهدي بقتله فطرح على الأرض ورفسه السودان بأرجلهم حتى قتلوه وكان السبب في قتله انحرافه عن العبيديين .
وممن قتل على أيديهم بسبب مواقفه الجريئة : الزاهد الشذوني (ت 309 ه) الذي أمر عبيد الله المهدي بقتله وذلك لتفضيله بعض الصحابة على علي رضي الله عنه .
ومنهم أيضا : عروس المؤذن الذي ذكرت قصته من قبل وممن امتحن على أيديهم أيضا أبو القاسم الطرزي (ت 317 ه) فقد ضرب بالسياط عند الجامع نكاية في أهل السنة وبغضا لهم وعداوة لعلماء المسلمين .
ومنهم الإنام : أبو بكر اللباد (ت 333 ه) الذي سجنوه ثم أطلقوه ومنعوه من الفتوى ولكنه لم يثنه منعهم عن أداء رسالته التعليمية فكان يقوم بذلك سرا وكان ابن أبي زيد القيرواني وابن التبان (يأتيان إليه خفية وربما جعلا الكتاب في أوسطاطهما حتى تبتل بأعراقهما خوفا من بني عبيد أن ينالوهما بمكروه ) واستمر على هذه الطريقة حتى توفي رحمه الله وقد رثاه ابن أبي زيد بقصيدة طويلة منها قوله فيها :

يا طول شوقي إلى من غاب منظره ..... وذكره في جوى الأحشاء قد سكنا
لهفي على ميت ماتت به ســـــــبل ...... قد كان أحيا رسوم الدين والسننــا
كم محنة طرقته في الإله فلــــــــم ....... يحزن لذلك إذ في ربه امتحنــــا


ومنهم أيضا : أبو العباس بن السندي (ت 320 ه) فقد كان ممن ضربه الشيعي وعذبه وأخذ نعمته .
ومنهم الإمام : إبراهيم بن عبد الله الزبيري (ت 395 ه) فقد امتحن على يد أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي حيث ضربه سبعمئة سوط وحبسه أربعة أشهر وذلك لتأليفه : (كتاب الإمامة) و(كتاب الرد على الرافضة) ومنهم : حكم بن محمد بن هشام المقريء (ت 370 ه) فقد صلبه هو الآخر أبو عبد الله الشيعي من أجل صلابة كانت فيه وإنكار شديد على أهل البدع .
ومنهم – أيضا - : أبو علي بن خلدون (ت 307 ه) فقد كان هو الآخر شديدا على أهل البدع سيما الروافض منهم يستند منه أهل السنة إلى ملجأ ووزر فضجر منه الرافضة وحملهم ذلك على قتله وقد رثاه عدد كبير من العلماء منهم ابن الوراق الذي قال فيه :
مضرّج بدم الإسلام مهجته ...... من بين أحشاء دين الله تنتزع
ويقول فيه ابن جرمون :

جفوني إلاّ تدري الدموع بأسحم ...... ونفسي إلاّ تلتظي فتضرمي
فلا وجد إلاّ أن تفيضي من الأسى .... ولا دمع إلاّ أن يكون من الدم


وممن قتلهم عبيد الله الشيعي : أبو علي حسن بن مفرج الفقيه لتفضيله بعض الصحابة على علي رضي الله عنه .
وممن امتحن على أيديهم أيضا أحمد بن نصر وأحمد بن زياد (ت 378 ه) وغير هؤلاء كثير ممن يطول ذكرهم .
هذه جملة من العلماء الذين رضوا بمقاومة تيار التشيع وبذلوا في ذلك الغالي والنفيس فكانت عاقبتهم أنهم عذبوا وسجنوا ومنهم من قتل تحت التعذيب وما نقموا منهم إلاّ أنهم رفضوا الكفر والإرتداد عن دين الله الحق احتسابا عند الله تعالى .

النوع الثالث :

العلماء الذين رضوا بالعيش تحت حكم بني عبيد

ومن العلماء من رضي بالواقع وعمل بالمداراة والمداهنة من أجل العيش آمنا بين ظهراني الشيعة وهؤلاء العلماء – كما قلت – وإن أمنوا مكر الشيعة فإنهم أصبحوا مهجورين من قبل علماء السنة وهذا الصنف من العلماء سيأتي ذكره في المقاومة السلبية وهي إحدى أنواع المقاومة التي سلكها علماء السنة في مقاومة التيار الشيعي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:34

المبحث الرابع :

أساليب المقاومة السنية لبدعة التشيع

لقد سلك علماء السنة المغاربة في مقاومة التشيع أساليب عديدة ذكرنا منها في معرض حديثنا المقاومة السلبية أيّ اعتزال كلّ ما هو شيعي وكل ما يمت للتشيع بصلة وإلى دولتهم بسبب والمقاومة الجدلية والمقاومة المسلحة وكان هناك أنواع أخرى من المقاومة مثل المقاومة الجدلية والمقاومة المسلحة وكانت هناك أنواع أخرى من المقاومة مثل المقاومة عن طريق التأليف والمقاومة عن طريق نظم الشعر والمقاومة عن طريق مخالفة الشيعة في أعيادهم كيوم عاشوراء مثلا الذي يعتبره الشيعة على اختلافهم يوم حزن لأن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل فيه فهو إلى يوم الناس هذا يوم حزن وبكاء ولطم للوجوه وتعذيب للنفس وقد يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى قتل النفس فداء للحسين رضي الله عنه أما عندنا – نحن أهل السنة – فهو يوم له فضل ولذلك أمرنا بصيامه فقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم وندب الناس إلى صيامه وقال : (إنّه يكفّر السنة التي قبلها) .
وفيما يلي من البحث نتطرق للحديث عن وسائل المقاومة واحدة واحدة .

الوسيلة الأولى :

المقاومة السلبية

أولى الوسائل التي استعملها علماء المغرب السنة في مقاومة التيار الشيعي : الوسيلة السلبية ونعني بها : المقاطعة الجماعية التي قاطع بها علماء المغرب كل ما له صلة بالتشيع أو بالحكم القائم وتمثلت تلك المقاطعة في مقاطعة قضاة الدولة وعمالها ورفض من استطاع منهم دفع الضرائب لها .
ومن العلماء من اختار العزلة والإختفاء عن أعين بني عبيد وقد مرّ ذكر هذا الصنف من العلماء ومن مظاهر هذه المقاومة مقاطعة حضور صلاة الجمعة التي كانت مناسبة للعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على المنابر : (فتعطّلت الجمعة دهرا بالقيروان) .
ومنهم من اكتفى بالدعاء عليهم كما كان يفعل الواعظ عبد الصمد وكما كان يفعل أبو إسحاق السبائي الزاهد إذا رقى رقية يقول بعد قراءة الفاتحة وسورة الإخلاص والمعوذتين : (وببغضي في عبيد الله وذريته وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته اشف كل من رقيته) .
ومن مظاهر المقاومة السلبية أيضا مقاطعة كل من يسير في ركب السلطان واعتزاله وكل من كانت له صلة بهذا السلطان أو سعى إلى تبرير وجوده عملا بقوله تعالى : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) ) [المجادلة :22] .
فهذا خلف بن أبي القاسم البراذعي (ت نحو 400 ه) قام عليه فقهاء القيروان بصلته بملوك بني عبيد وقبوله هداياهم وتأليفه كتابا في تصحيح نسبهم وزادت النقمة عليه عندما وجدوا بخطه الثناء على بني عبيد متمثلا ببيت الحطيئة :
ألئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ....... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
لذلك كله أفتى فقهاء القيروان بطرح كتبه وعدم قراءتها وإزاء ذلك اضطرّ هو إلى الهجرة إلى الصقلية حيث حصلت له حظوة كبيرة عند أميرها .
وهذا إبراهيم بن حسن بن إسحاق القيرواني (ت 443 ه) هو الآخر امتحن بسبب فتواه في تقسيم الشيعة إلى قسمين :

أحدهما : من يفضل عليا على غيره من الصحابة من غير سب لغيره فليس بكافر .
ثانيهما : من يفضله ويسب غيره فهو بمنزلة الكافر لا تحل مناكحته وقد أنكر عليه هذه الفتوى فقهاء المغرب وأرسلوا إليه أن يعاود النظر فيها ويرجع عنها فلم يفعل وإن كان أظهر التوبة أمامهم .

والواقع أّ فتواه صحيحة لا غبار عليها كما يقول القاضي عياض : (ولا امتراء عند كل منصف أن الحق ما قاله أبو إسحق وأنه جرى على العلم وطريق الحكم ومع هذا فما نقصه هذا عند أهل التحقيق ولا حط من منصبه عند أهل التوفيق وإن رأى الجماعة في النازلة كان أسدّ) .
هكذا كان أسلوب علماء المغرب مع كل من سولت له نفسه التقرب من بني عبيد أو مداراتهم ولو كانت تلك المداراة حقا وقد رأينا – قبل – كيف أنهم أفتوا بكفر من دخل في دين بني عبيد ولو ظاهرا .

النوع الثاني [الوسيلة الثانية] من المقاومة :

المقاومة الجدلية

لقد كانت المقاومة الجدلية هي أقوى وأوسع أنواع المقاومة التي قام بها علماء السنة المغاربة ضدّ الشيعة المنحرفين وقد سطع في سماء هذه المساجلات العلمية والمناظرات العقدية عدد كبير من العلماء كانوا لسان أهل السنة الناطق والذاب عن بيضة هذا الدين وسأحاول في هذا المبحث أن أذكر أبرز الرجال الذين كانوا قائمين على هذا النوع من المقاومة ..
فمنهم ابن البردون (299 ه) الذي كان – كما ذكرت – قوي الحجة في الجدل لم يكن في شبابه أحد أقوى على الجدل والمناظرة وإقامة الحجة على المخالفين منه .
ومنهم الإمام محمد الرقادي القيرواني (ت 416 ه) الذي كان – هو الآخر – من أئمة هذا الشأن وكانت له في هذا الميدان مقامات مشهودة ذبّ فيها عن مذهب أهل السنة .
وممن لمع نجمه أيضا في سماء هذه المساجلات عبد الله بن التبان (ت 371 ه) فقد كان هذا الإمام العظيم من أشد الناس على بني عبيد وأكثرهم مقاومة لهم ومن مواقفه المشهورة التي ذكرتها لنا المصادر التي ترجمة له أنه كان يوما في جمع من أصحابه وكان يوم عاشوراء فلما (رأى جمع بني عبيد بكى فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : والله ما أخشى عليهم الذنوب لأن مولاهم كريم وإنما أخشى عليهم أن يشكوا في كفر بني عبيد فيدخلوا النار ) .
وقد اشتهر بسبب مناظرته لبني عبيد حتى ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار المختلفة لعلمه بالذب عن أهل السنة وقد حفظت لنا كتب التراجم بعضا من هذه المناظرات نذكر منها ما نقله صاحب المعالم أنهم سألوه مرة – أثناء مناظرة له معهم – (أيّهما أفضل فاطمة أم عائشة رضي الله عنهما ؟ فقال : عائشة وذلك لأمرين اثنين : الأمر الأول : أنّ عائشة إذا مات عنها زوجها فلا يجوز لها أن تتزوج غيره بعده أبدا بيما فاطمة لها أن تتزوج عشرين بعده الثاني : فلأنها مع النبي صلى الله عليه وسلم في منزلته يوم القيامة وفاطمة مع علي رضي الله عنه في منزلته يوم القيامة ودرجة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من درجة علي رضي الله عنه )
وكان هذا الإمام – فضلا عن براعته في الجدل والمناورة – شجاعا مقداما لا يهاب الموت من ذلك ما ذكره المالكي والدباغ من (أن عبد الله المعروف بالمحتال صاحب القيروان قد شدد في طلب العلماء فاجتمعوا بدار ابن أبي زيد القيرواني فقال لهم ابن التبان : أنا أمضي إليه أبيع روحي لله دونكم لأنه إن أتى عليكم وقع على الإسلام وهن عظيم) وفعلا ذهب إليه وأقام عليه الحجة هو وجماعته الذين جاء بهم ليناظروه .
وبعد أن هزمهم في مجلس المناظرة لم يخجلهم أن يعرضوا عليه أن يدخل في نحلتهم ولكنه أبى وقال : شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه ويرد على اثنتين وسبعين فرقة يقال له هذا ؟ لو نشرتموني في اثنتين ما فارقت مذهبي .
ولما خرج من عندهم بعد يأسهم منه تبعه أعوان الدولة الظالمة وسيوفهم مصلتة عليه ليخاف من يراه من الناس على تلك الحال فإذا به وهو تحت الضغ يهدي الناس ويقدم لهم النصيحة ويقول لهم دون خوف ولا وجل : (تشبّثوا ليس بينكم وبين الله إلاّ الإسلام فإن فارقتموه هلكتم) .
ومنهم الإمام عمرو بن هارون الوراق (ت 379 ه) فقد كان هو الآخر فارسا من فرسان الميدان ونجما ساطعا في سماء هذه المساجلات وكان هذا الفن من فنون العلم أكثر علمه .
إلا أن بطل هذه المساجلات بلا منازع وفارس حلقاتها بلا مدافع هو الإمام عثمان بن سعيد الحداد (ت 302 ه) لسان أهل السنة وابن حنبل المغرب حتى قال عنه السلمي صاحب طبقات الصوفية : (كان فقيها صالحا فصيحا متعبدا أوحد زمانه في المناظرة والرد على الفرق) .
وقال عنه الخشني : (كان يرد على أهل البدع المخالفين للسنة وله في ذلك مقامات مشهودة وآثار محمودة ناب عن المسلمين فيها أحسن مناب حتى مثله أهل القيروان بأحمد ابن حنبل) .
وقال عنه المالكي : (وكانت له مقامات في الدين مع الكفرة المارقين أبي عبد الله الشيعي وأبي العباس أخيه وعبيد الله – لعنة الله عليهم – أبان فيها كفرهم وزندقتهم وتعطيلهم) .
وقال عنه أبو الأسود موسى القطان : (لو سمعتم سعيد بن محمد في تلك المحافل – يعني مناظرته للشيعة – وقد اجتمع له جهارة الصوت وفخامة المنطق وفصاحة اللسان وصواب المعاني لتمنيتم ألاّ يسكت) وكان هذا الإمام مهجورا من قبل المالكية لكونه كان يتهكم عليهم ويسمي مدونة سحنون ب (المدودة) إلاّ أنّ مناظرته للشيعة ودحضه لشبهاتهم ردت إليه الاعتبار واصبح أكثر من نار على علم في الشهرة والمنزلة العالية لقد دعي هذا الإمام لمناظرة الشيعة وعقدت بينهم مناظرات عديدة ذكرها المالكي في (رياض النفوس) والخشني في (طبقاته) وغيرهما .

والسبب في هذه المناظرة أن بني عبيد لما ملكوا القيروان أظهروا تبديل مذهب أهل البلد وأجبروا الناس على مذهبهم بطريقة المناظرة وإقامة الحجة مرة والتهديد بالقتل مرة أخرى فارتاع أهل البلد من ذلك ولجّؤوا إلى أبي سعيد وسألوه التقية فأبى وقال : (قد أربيت على التسعين ومالي في العيش حاجة ولا بد لي من المناظرة عن الدين أو أن أبلغ في ذلك عذرا ففعل وصدق وكان هو المعتمد عليه بعد الله تعالى في مناظرة الشيعة )

وكانت هذه المجالس تنقسم إلى قسمين : مجالس عامة يشترك فيها عدد كبير من علماء السنة على اختلاف مذاهبهم الفقهية لمناظرة الشيعة وعلى الرغم مما كان بين هؤلاء العلماء من حساسيات وخصومات بسبب اختلاف مذاهبهم الفقهية إلاّ أنّ هذه المجالس وحدت كلمتهم وأزالت كل ما كان بينهم من تطاحن وأحقاد حتى قال المقدسي في أحسن التقاسيم – وكان قد زار المغرب - : (وليس غير حنفي ومالكي مع ألفة عجيبة لا شغب بينهم ولا عصبية قد أقبلوا على ما يعنيهم وارتفع الغلّ من قلوبهم) ومن ذلك ما كان بين ابن الحداد وابن عبدون (ت : 299 ه) من هجران وذلك لأن ابن عبدون كان قد حبس ابن الحداد أيام توليه القضاء يقول المالكي : (وكان أبو عثمان مهاجرا لابن عبدون وذلك أنه حبسه إبان قضائه فقال ابن عبدون لابن الحداد : تقدم يا أبا عثمان) فلم يجبه فقال : (تقدم فليس هذا وقت مهاجرة فلسانك سيف الله وصدرك خزانة الله وإنما أراد ابن عبدون أن يحرضه على محاورة الشيعة) .
وأما القسم الثاني من هذه المجالس فهو المجالس الخاصة التي كان يحضرها رجل واحد من أهل السنة وكان هذا الرجل هو الإمام ابن الحداد ورجل من الشيعة هو أبو عبد الله الشيعي أو أخوه العباس .

مواضيع هذه المجالس :

والمواضيع التي كانت تدور حولها هذه المجالس وهذه المناظرات هي المواضيع التي لا يزال الخلاف فيها قائما بين أهل السنة والشيعة إلى يومنا هذا فالشيعة يحاولون جاهدين إثباتها ويحشدون الأدلة والبراهين لها وأهل السنة والجماعة ينفونها ويفندون تلك الأدلة والحجج .
هذه المواضيع كانت كلها ترتكز حول إمامة علي رضي الله عنه وإمامة المفضول مع وجود الفاضل وصلاة التراويح ونكاح المتعة والتقية وغير ذلك من المواضيع التي يسعى الشيعة جاهدين من أجل فرضها وإثباتها .
ولقد كانت تلك المجالس كثيرة قدرها بعضهم بأربعين مجلسا والذي نقل إلينا لا يعدو مجالس معدودة وسأكتفي هنا بنقل مقتطفات من هذه المجالس تخدم بحثنا وتفي بالغرض والمقصود من نقلها .
وللعلم أذكر هنا أن هذه المجالس كانت تدور في بيت الحكمة التي كان الأغالبة أنشؤوها لتدريس الفلسفة والعلوم العقلية الأخرى .

ذكر المجالس ومواضيعها :

أول هذه المجالس كما يذكر ذلك صاحب المعالم كان يدور حول التفاضل بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما فبعد الإجتماع بين ابن الحداد وأبي عبد الله الشيعي (سأل أبو عبد الله الشيعي ابن الحداد : (أنتم تفضلون على الخمسة أصحاب الكساء غيرهم ؟ - يعني بأصحاب الكساء : محمدا صلى الله عليه وسلم وعليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهما ويعني بغيرهم : أبا بكر رضي الله عنه - ) فقال أبو عثمان : (أيّما أفضل ؟ خمسة سادسهم جبريل عليه السلام ؟ أم اثنان الله ثالثهما ؟) فبهت الشيعي ) .


مناظرة أخرى حول موالاة عليّ


في هذه المناظرة أراد عبيد الله الشيعي أن يثبت أن الموالاة في قوله عليه الصلاة والسلام : (من كنت مولاه فعلي مولاه) بمعنى العبودية (قال له : فما بال الناس لا يكونون عبيدا لنا ؟ فقال ابن الحداد : لم يد ولاية رق وإنما أراد ولاية الدين ونزع بقوله تعالى : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (80) ) [آل عمران : 79-80] قال فما لم يجعله الله لنبي لم يجعله لغير نبي وعلي رضي الله عنه لم يكن نبيا وإنما كان وزيرا للنبي صلى الله عليه وسلم .
مناظرة أخرى حول قيام رمضان (التراويح) :
في هذه المناظرة يريد الشيعة أن يقنعوا أهل السنة بأن صلاة التراويح بدعة ابتدعها عمر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن كلّ بدعة ضلالة) ولهذا (جمع عبد الله بن عمرو المروزي علماء السنة وقال لهم : إنّي أمرت أن أناظركم في قيام رمضان فإن وجبت لكم حجة رجعنا إليكم وإن وجبت لنا رجعتم إلينا قال أبو عثمان سعيد ابن الحداد : (قلت له : ما تحتاج إلى المناظرة) فقال : (لا بدّ منها) فقال أبو عثمان سعيد الحداد : (فقلت : شأنك وما تريد) .
فقال : (ألستم تعلمون وتروون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم إلاّ ليلة واحدة وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي استن القيام) قال أبو عثمان سعيد بن الحداد : فقلت هذه البدعة من البدع التي يرضاها الله عز وجل ويذم من تركها فقال : وأين تجد ذلك في كتاب الله عز وجل ؟ قال ابن الحداد : فقلت : في قوله تعالى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) ) [الحديد : 27] فنحن نثابر على هذه البدعة التي هي رهبانية لئلا يذمنا الله عزّ وجلّ كما ذمهم ) .

مناظرة أخرى حول القياس وحد شارب الخمر :

قال أبو عثمان سعيد بن الحداد : (قال أبو عبد الله الشيعي : من أين قلتم بالقياس ؟ قال أبو عثمان : قلنا ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ قال : فأين تجد ذلك ؟ قال : قال الله عزّ وجل : (ياأيها الذين ءآمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) [المائدة : 95] فالصيد معلومة عينه والجزاء الذي أمرنا أن نمثل ما لم ينص ذكر عينه بالقياس والإجتهاد ومنه قوله تعالى : (يحكم به ذوا عدل منكم) الآية فلم يكله إلى حاكم واحد حتى جعلهما الله اثنين ليقيسا ويجتهدا .
قال أبو عثمان سعيد بن الحداد : ثمّ عطف (أي أبو عبد الله الشيعي) على أبي الأسود بن عبد الرحمن القطان فقال له : أين وجدتم حدّ الخمر في كتاب الله عزّ وجل ؟
فقال له موسى القطان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من شربها فاضربوه بالأردية ثم إن عاد فاضربوه بالأيدي ثم إن عاد فاضربوه بالجريد ) فقال أبو عبد الله الشيعي – على النكير منه – أين هذا ؟ أقول لكم أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تعالى تقول : اضربوه بالأردية ثم بالأيدي ثم بالجريد ؟
فقال أبو عثمان سعيد بن الحداد : فقلت له : إنما أخذنا قياسا على حدّ القاذف لأنه إذا شرب سكر وغذا سكر هذى وإذى هذى افترى فوجب عليه ما يؤول إليه وهو حدّ القذف
) .

مناظرة أخرى حول ولاية المفضول مع وجود الفاضل ومبدأ النص والإختيار :

(قال أبو عثمان سعيد بن الحداد : (قال لي أبو العباس الشيعي (أخو عبد الله الشيعي) : (أليس قولك إجازة تقديم المفضول على الفاضل) : فقلت أعزّك الله بتوفيقه أنا متبع في ذلك لكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وذلك لا يخفى على ذي لب نظر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعدوهما إلى غيرهما ) قال لي : (وأين تجد ذلك في كتاب الله) ؟ (قلت : قال الله تعالى : (وقال لهم نبيّهم إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ولم يوت سعة من المال قال إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) [البقرة : 247] فقال عند ذلك كالمغضب : ( ليس القصة كما توهمت) فقلت له : (و الأمر الذي لم أتوهمه وفيه الحق عندك هل إلى ذكره من سبيل ؟) فقال : (نعم ذكرت خبر طالوت واحتججت فيه بقول نبيّهم ؟) فقلت له : قال الله : (وقال لهم نبيّهم إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكا) لما كان خروج طالوت من فوق إذن نبيهم ثبت أن الله قدم المفضول على الفاضل إذ كنا لا نشك نحن ومن خالفنا أن نبيّهم أفضل من طالوت وطالوت هو المفضول فقال لي : (وهكذا اعتقادك ؟) فقلت : (نعم أيها الأمير) فقال : (إنّما كان خروج طالوت من تحت يد نبيهم لا كما توهمت أنه من فوق إذنه لأن نبيهم هو الذي أخبرهم أن طالوت مقدم على الجيش فلما كان هذا هكذا كان الفاضل بعد هو المفضول فقد تبين فساد قولك وتناقضه ) .
قال أبو عثمان سعيد بن الحداد : (فقلت له : نفس الآية شاهد ولا تكون الحجة من غيرها وذلك أن الله أخبر عن نبيهم أنه قال لهم : (إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكا) الآية ولم يقل : إنّي بعثته لكم فلما جاء الخبر من نبيهم وأضافه إلى الله تعالى لا إلى نفسه وجب بهذا أن أمر طالوت من فوق إذن نبيهم وكذلك قالت الآية ) .
قال : (ثم قلت : وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر فيها إلى تقديم المفضول على الفاضل وهو ما لا ينكره أحد من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر على جيش عمرو بن العاص فكان يقسم الفيء ويأمر وينهى فيطاع ويصلي لهم الصلوات ويشاورونه ويستأذنونه في جميع شأنهم وتحت يديه في الجيش أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهما جميعا أفضل منه ولا يشك في ذلك أحد
وأيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر على جيش زيد بن حارثة رضي الله عنه فكان يفعل في ذلك وفيمن تحت يديه من المسلمين كفعل عمرو بن العاص رضي الله عنه فيمن تحت يديه من المسلمين وتحت يديه من الجيش جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أفضل من زيد بن حارثة فلما ثبت عندنا وقام مقام العيان جاز للأمة تقديم المفضول على الفاضل
)

وهذه بعض المناظرات التي وقعت بين علماء السنة والشيعة وهي جزء صغير من مجموع المناظرات التي دارت بين الفريقين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:35

النوع الثالث [الوسيلة الثالثة] من المقاومة :

المقاومة المسلحة :


لم يكتف علماء المغرب بالمقاومة السلبية والمقاومة الجدلية بل منهم من حمل السلاح وخرج ليقاتلهم فهذا جبلة بن حمود الصدوفي ترك سكنى الرباط ونزل القيروان فلما كلم في ذلك قال : (كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر والآن حل هذا العدو بساحتنا وهو أشد عاينا من ذلك) واستدلّ بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)) [التوبة :123] .
ومنهم الإمام : أبو القاسم الحسن بن مفرج (ت 309 ه) الذي كان من أوائل من خرج على الشيعة ومات شهيدا قتله عبيد الله المهدي وصلب هو ورجل يدعى أبا عبد الله السدري الذي كان من الصالحين وكان قد بايع على جهاد عبيد الله وجعل يحث الناس على جهاده فبلغ خبره عبيد الله فدعاه وأمر بقتله .
ثم إنّ العلماء خطوا خطوة أكبر بإصدار فتوى بوجوب قتال العبيديين وكان ذلك بعد اجتماع وتشاور بين علماء السنة وهم :
- أبو سليمان ربيع بن عطاء القرشي النوفلي المعروف بربيع القطان (ت 333 ه)
- وأبو العرب محمد بن تميم بن تمام (ت 333 ه)
- وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي النتعبد (ت 356 ه)
- وأبو عبد الملك مروان بن نصر الخياط الزاهد (ت 340 ه)
- وأبو عبد الله محمد بن الفتح المؤدب (ت 334 ه) الذي كان أحد من عقد الخروج على بني عبيد لكنه لم يفعل لزمانته وضعفه
-وأبو محمد عبد الله بن فطيس (ت 339 ه) وأبو بكر محمد بن سعدون الجزيري التميمي المتعبد إمام جامع القيروان (ت 344 ه)
- وأبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسال (ت 343 ه) وغيرهم كثير .
- وكان رئيس هذا الإجتماع والمرجع الذي يرجع إلى رأيه في الملمات هو أبو الفضل عباس بن عيسى بن العباس المميسي (ت 333 ه) ودارت في ذلك الإجتماع المناقشات والمناظرات بشأن شرعية الخروج مع أبي زيد مخلد بن كيداد – أو صاحب الحمار – الذي كان قد سيطر على معظم البلاد واستنفر الناس لقتال بني عبيد وزعم أنه سني وكان يتحلى بنسك عظيم ويلبس جبة صوف قصيرة الكمين ويركب حمارا وكان يبطن رأي الصفرية ويتمذهب بمذهب الخوارج وخرجوا من هذا الإجتماع بوجوب الخروج لقتال بني عبيد (لعلّ الله أن يكفّر بجهادنا تفريطنا وتقصيرنا عما يجب علينا من جهادهم) كما قال أبو إسحاق السبائي .

لكن معظم العلماء بقي مترددا ولم يقتنع إلاّ بعد أن روى لهم أبو العرب حديثا في قتال الرافضة يقول عليه الصلاة والسلام فيه : (يكون آخر الزمن قوم يقال لهم الرافضة فإذا أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم كفار) فما كاد يتم الحديث حتى كبر الناس وعلت أصواتهم في الجامع حتى ارتج .
وهكذا لم يجد العلماء يدا من مباركة الخروج وتأييده ولم يتخلّف منهم أحد وطفقوا بعد ذلك يحضّون العامة ويحرّضونهم على الخروج لقتال بني عبيد وقد اتخذوا المساجد مواطن لذلك من أجل تهيئة النفوس وتشجيعها على الخروج على العبيديين وخرج العلماء لقتال الشيعة ورفعوا الألوية والرايات وقد أخذت الفرحة ربيع القطان لما رأى ألوية الجهاد معقودة وصفوف المجاهدين مرصوصة مدججة بالسلاح فقال عند ذلك : (الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيّك يا رب ) .
وكانت الألوية المعقودة مكتوبا على كلّ لواء منها عبارة يظهر فيها العداء الشديد للشيعة من هذه العبارات كتب : (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله لا حكم إلاّ لله هو خير الحاكمين) و(بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلّ الله محمد رسول الله) و(نصر من الله وفتح قريب على يد الشيخ أبي يزيد) و(اللهم انصر وليك على من سبّ نبيّك وأصحاب نبيّك صلى الله عليه وسلم ) و(بسم الله الرحمن الرحيم : (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن لهم) [التوبة : 12] و ((قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم زينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) [التوبة : 14 ه]) وغيرها من العبارات التي تدلّ على العداوة الواضحة للشيعة .

لقد كان انضمام العلماء إلى أبي يزيد لأسباب كثيرة منها :
1
– أنه خدعهم بلسانه وسحرهم بخطابه الحماسي ثم بما أظهره من تسنن وترض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل القيروان حيث (أظهر لأهلها خيرا وترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ودعا الناس إلى جهاد الشيعة وأمرهم بقراءة مذهب مالك فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وأزواجه) ثم بما أظهره من عداء للشيعة حين صعد إلى المنبر حيث : (خطب خطبة أبلغ فيها وحرّض الناس على جهاد الشيعة وأعلمهم بما لهم فيه من الثواب ثم لعن عبيد الله وابنه ... ) .

2 – والسبب الآخر : أنّ علماء المغرب كانوا يرون أن العبيديين كفار يجب قتالهم وكانوا يرون أن الخوارج من أهل القبلة وهم أقل ضررا يقول أبو إسحق السبائي – وهو يريد بني عبيد – فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل قبلتنا لقتالهم) ومن هنا فقد رأوا (أّن الخروج معه متعين) .
وكان أبو الفضل المميسي يرى في الخروج مع أبي يزيد الخارجي وقطع دولة بني عبيد واجبا لأنّ الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم الإسلام ويرثون ويورثون وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم الإسلام فلا يتوارثون معهم ولا ينتسبون إليهم بل كان يرى أن قتالهم أفضل من قتال المشركين لأنهم متصلون ببلاد الإسلام ويحكمون فيهم بما يريدون من قتل أو ضرب أو سجن بخلاف كفار منفصلين عن بلاد الإسلام .
ويدلل ربيع القطان الذي كان جعل على نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم حتى يقطع الله دولة بني عبيد على كفرهم حينما عوتب في الخروج مع أبي يزيد الخارجي بأنه (حضر أحد المجالس وكان فيه جمع كبير من أهل السنة ومشارقة (مشارقة = كانت تطلق على الشيعة) وكان بالقرب منه أبو قضاعة الداعي فأتى رجل مشرقي (أي شيعي) آخر فقام إليه رجل مشرقي وقال : (إلى هنا يا سيدي إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني أبا قضاعة الداعي - ) ويشير بيده إليه فما أنكر أحد شيئا من ذلك فكيف ينبغي أن يترك القيام عليهم ) ومع ذلك فإن خروجهم معه لا يدل على أنهم يوالونه أو يدخلون في طاعته ولكن لما اتحدت وجهة الجميع وكان الغرض واحدا من الخروج فإنهم آزروه (ولئن كان انتصار أبي يزيد بهم ليحقق بهم وبقوتهم أوطاره فإنهم كذلك لبوا دعوته ليحققوا أملا يستحثهم على مقاتلة الكفرة المغيرين) فإذا تحقق الغرض من الخروج وظفروا بهم لم يدخلوا تحت طاعة أبي يزيد بل كانوا يتمنون أن يسلط الله عليه إماما عادلا يخرجهم عنه .
ومع ذلك ورغم هذه الدواعي للخروج فإن علماء المغرب لم ينضموا إلى صفوف أبي يزيد إلاّ بعد تشاور طويل وبعد أن ألقى أحمد بن أبي الوليد خطبة بليغة نبه فيها إلى خطر الشيعة وحذر العامة من أفعالهم الخبيثة وحثّ فيها على مقابلتهم حيث قال : (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) ) [النساء : 95] وقال : (يا أيها الناس جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه ربّ من دون الله وغير أحكام الله عز وجل وسب نبيه وأصحاب نبيه وأزواج نبيه) ثم شرع في الدعاء عليهم فقال : (اللهم إن هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية من دون الله جاحدا لنعمتك كافرا بربوبيتك طاعنا على أنبيائك ورسلك مكذبا لمحمد نبيك وخيرتك من خلقك سابا لأصحاب نبيك وأزواج نبيك أمهات المؤمنين سافكا لدماء أمته مستهتكا لمحارم ملته افتراء عليك اللهم فالعنه لعنا وبيلا وأخزه خزيا طويلا واغضب عليه بكرة وأصيلا واصله جهنم وساءت مصيرا )
وحتى بعد هذا بقي بعضهم مترددا في الخروج إلى أن حسم أبو العرب الأمر بروايته لحديث الروافض – كما سبق بيانه – بعد ذلك كبر الناس وعلت أصواتهم في الجامع حتى ارتج ثم خرجوا لقتال بني عبيد .
ويبدو أن ترددهم هذا لم يكن سببه اختلافهم حول مجاهدة الشيعة لأنهم كانوا مجمعين على ذلك وإنما يرجع إلى اختلافهم في شرعية الخروج مع أبي يزيد الذي لم يستطع خداعهم رغم إعلانه التوبة وأنه سني .
وفي الموعد المحدد خرج العلماء ومن ورائهم وجوه القوم وعامتهم في أعداد غفيرة لا يحصيهم عد ولم يتخلف من العلماء والصلحاء أحد إلاّ العجزة ومن ليس عليهم حرج وكان ربيع القطان في طليعة الصفوف راكبا فرسه وعليه آلة الحرب متقلدا مصحفه وهو يقول : (الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيك )
وقد أبلى العلماء في تلك المواجهة بلاء حسنا وقدموا صورة حقيقية لجهاد السلف لأعداء الإسلام واستشهد منهم ما لا يقل على الثمانين عالما منهم ربيع القطان والمميسي وغيرهما وأظهروا شجاعة نادرة وتفانيا لا مثيل له في قتال عدوهم وحققوا انتصارا باهرا وكادوا يستولون على المهدية لولا أن ساعة الغدر حلت ورجعت الكرة عليهم حين خدعهم أبو يزيد وأسفر عن وجهه القبيح المناويء لأهل السنة وأمر جنده أن ينكشفوا عنهم بقوله : (إذا التقيتم القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى يتمكن أعداؤكم من قتلهم لا نحن فنستريح منهم) وكان غرضه من تلك الفعلة الشنيعة والخدعة المنكرة (الراحة منهم لأنه ظن إذا قتل شيوخ القيروان وأئمة الدين تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء الله فيتبعونه) .
ولكن الله كان له بالمرصاد وخذله كما خذل أولياءه فهزم شر هزيمة حيث انظم عدد غير قليل من جنده إلى صفوف عدوه ولم يبق له من الجند إلاّ القليل وقتل شرّ قتلة وكانت نهايته يوم 30 محرم سنة 336 ه .
وقد أثرت هذه المواجهة بين السنة والشيعة على الساحة المغربية فيما بعد حتى استمرت المقاومة فيمن جاء بعدهم حتى بعد خروج بني عبيد من المغرب فكانوا يبحثون عن مراكز وجود الشيعة فإذا عثروا عليهم قتلوهم وسلبوا أموالهم فقد ذكر ابن عذارى في (البيان المغرب) أنه (كان بمدينة القيروان قوم يتسترون بمذهب الشيعة من شرار الأمة فانصرفت العامة إليهم من فورهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا رجالا ونساء وانبسطت أيدي العامة على الشيعة وانتهبت دورهم وأموالهم) .
ويصف القاضي عياض هذه الحادثة بقوله : (وكان ابتداء ذلك يوم الجمعة منتصف المحرم قتلت العامة الرافضة أبرح قتل بالقيروان وحرقوهم وانتهبوا أموالهم وهدموا دورهم وقتلوا نساءهم وصبيانهم وجروهم بالأرجل وكانت صيحة من الله سلطها عليهم وخرج الأمر من القيروان إلى المهدية وإلى سائر بلادهم فقتلوا وأحرقوا بالنار فلم يترك أحد منهم في إفريقيا (تونس) إلا من اختفى ) .
وهكذا كان هذا النوع من المقاومة هو أشد الأنواع وأنكاها طهر الله به أرض المغرب من بدعة التشيع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:35

أنواع أخرى من المقاومة :

وإلى جانب هذه الأنواع من المقاومة – التي ذكرتها – كانت هناك أنواع أخرى والتي فعلت فعلها هي أيضا في نفوس الشيعة وجعلتهم يتيقنون بأن أهل المغرب يرفضونهم ولا يحتملون وجودهم بينهم نذكر منها :

1 – إبداء السرور والفرح أيام حزن الشيعة :

من مظاهر ذلك الإحتفال بيوم عاشوراء وإبداء الفرح والسرور فيه ومن المعلوم لدى الجميع أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي فجعت فيه الأمة الإسلامية بالحسين بن علي رضي الله عنه أحد سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة وهذا اليوم عند الشيعة على اختلالف طوائفهم يوم حزن وحداد حيث أحدثوا فيه من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاء المراثي وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرع الحسين رضي الله عنه التي كثير منها كذب) .
أما عند أهل السنة فهو يوم صام النبي عليه الصلاة والسلام وندب المسلمين لصيامه فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (كيف تصوم) ؟ وفيه قوله عليه الصلاة والسلام : (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله ) .
ولكنهم زادوا على ذلك فزعموا أنه ورد في التوسعة على العيال فيه أحاديث مثل حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه قال : ( بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ) رواه عنه ابن عيينة .
هذا الحديث سئل عنه الإمام أحمد فقيل له : هل سمعت في الحديث أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة قال : نعم شيء رواه سفيان عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد المنتشر قال سفيان – وكان أفضل من رأينا – أنه بلغه أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته .
هذا الحديث طعن فيه كثير من العلماء مثل الإمام ابن تيمية الذي قال فيه : (حديث موضوع مكذوب) وقال : (وقد روي في التوسيع على العيال فيه آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن المنتشر عن أبيه قال وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة فإن هؤلاء : (أي الرافضة) اتخذوا يوم عاشوراء مأتما فوضع أولئك فيه آثارا تقتضي التوسعة فيه واتخاذه عيدا وكلاهما باطل) .
ويقول في موضع آخر : (وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المقابلة للرافضة وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الإغتسال والإكتحال وغير ذلك وصححها بعض الناس كابن ناصر وغيره وليس فيها ما يصح لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها فعملوا بها ولم يعلموا أنها كذب فهذا مثل هذا ) .
ويقول الإمام السيوطي : (وأحدث بعض الناس في هذا اليوم أشياء مبتدعة من الإغتسال والإختضاب والكحل والمصافحة وهذه أمور منكرة مستندها حديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما السنة صوم هذا اليوم لا غير وقد روي في الفضل في التوسعة على العيال حديث ضعيف قد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض النواصب لمقابلة الرافضة ) .
ولعل علماء المغرب كانوا من الصنف الذي يعتقد صحة هذه الأحاديث فجعلوا يتحينون قدوم هذا اليوم لإبداء الفرح والسرور فيه نكاية في الشيعة وتنغيصا لهم من هنا نجد بعض العلماء يؤكد على ضرورة الإحتفاء بهذا اليوم فهذا الإمام عبد الملك بن حبيب (ت 238 ه) كبير فقهاء قرطبة في أيام عبد الرحمن الأوسط تروي عنه أبيات يخاطب فيها الأمير الأموي يحثه فيها على ذلك مستندا على مثل هذه الأحاديث التي ذكرتها فيقول :

لا تنس – لا ينسك الرحمن – عاشورا .... واذكره لا زلت في التاريخ مذكورا
قال النبي صـــــــــــــــــلاة الله تشمله ..... قولا وجدنا عليه الحـــــــق والنورا
فيمن يوسع الإنفاق موســـــــمه ....... ألا يزال بذاك العام ميســــــــــــورا


2 – حضور المجالس العامة التي تغيظ الشيعة :

ومن مظاهر المقاومة السنية للتشيع – أيضا - : حضور المجالس التي كان يمنعها الشيعة خشية من تأليب الناس عليهم فكان كثير من العلماء المغاربة يحضرونها بقصد إثارة الشيعة وإغاضتهم من ذلك حضور مسجد السبت الذي كان يحضره المتصوفة يقيمون فيه حلقات للقرآن والذكر وإنشاد الرقائق وكان هذا الإجتماع يخيف العبيديين ويؤرقهم ويقض مضاجعهم فلذلك كان يحضره هؤلاء العلماء نكاية في الشيعة ومن هؤلاء العلماء : أبو بكر محمد اللباد الفقيه فقد كان يحضر إلى المسجد ويخوض في الطين والمطر التي كان بينه وبين المسجد فلما سألوه كيف تفعل ذلك وأنت تعلم أن هذا الإجتماع من البدع المنكرة وقد أنكرها كثير من العلماء أجاب بقوله : (قال الله تعالى : (وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)) [ التوبة : 120] وحضور هذا المسجد يغيض بني عبيد ولو وجدت شيئا أغيض لهم منه لفعلته ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
العاصمي من الجزائر

avatar

عدد الرسائل :
689

الموقع :
www.rslan.com

تاريخ التسجيل :
24/07/2009


مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي    الخميس 17 ديسمبر 2015 - 16:36


3 – المقاومة عبر التأليف :

وكانت المقاومة عبر التأليف ونظم الشعر – أيضا – من الوسائل المجدية والنافعة في مقاومة الشيعة والتي كان لها أثر طيب في إقلاقهم وقض مضاجعهم وإعلانهم الحرب على من يفعل ذلك كما كان لها اثر في تبصير العامة بالحق وإرساء دعائم السنة وكانت هذه المؤلفات تنقسم إلى نوعين :

النوع الأول :

المؤلفات التي تتناول مسائل العقيدة جملة وفق منهج أهل السنة والجماعة : ومن بين المسائل التي تتناولها مسألة الإمامة عند أهل السنة وأفضلية أبي بكر وعمر وعثمان على علي رضي الله عنهم جميعا من غير تفريق بينهم واعتبارهم جميعا عدولا خلافا للشيعة الذين يكفرونهم ويفسقونهم عدا نفر قليل منهم سبق الحديث عنهم .
فهذا النوع من التأليف كان له أثر عميق في تبصير الناس بدينهم ونشر المذهب الحق فيهم حتى أصبحوا يعتبرون كل من خالف هذه العقيدة مخالفا للإسلام وخارجا عن جماعة المسلمين يجب فيه كل ما يجب في الكافر من المعاداة والقتال والمقاطعة وغير ذلك من المعاملة لعله يرتدع ويرجع ويتوب .

النوع الثاني :

المؤلفات التي ألفت للرد على الشيعة خاصة وعلى عقائدهم الباطلة : وهذا النوع من التأليف – كما سبق الحديث عنه – جاء نتيجة ظروف خاصة أوجبت على اهل السنة الرد وتفنيد شبههم ودحض باطلهم .
من هذا الصنف من المؤلفات نذكر كتابي (الإمامة) الذين ألفهما الإمام محمد بن سحنون وقد سبق الحديث عنهما وهما أعظم ما ألف في هذا الفن يقول عيسى بن مسكين : (وما ألف في هذا الفن مثلهما) وكتاب (الإمامة) للإمام إبراهيم بن عبد الله الزبيري وكتاب (الرد على الرافضة) له أيضا واللذان كانا السبب في محنته وسجنه وضربه من قبل الدولة العبيدية الشيعية فهذا النوع كان له أثره في المقاومة ولعله كان أشد على الشيعة من النوع الأول وأنكى .
إلى جانب وسيلة التأليف كانت هناك وسيلة أخرى تدخل في باب التأليف أيضا هذه الوسيلة هي نظم الشعر لهجو بني عبيد وذمهم وقد برز في هذا الميدان كثير من الشعراء أذكر منهم : أبا القاسم الفزاري .
وسهل الوراق فمن شعر أبي القاسم الفزاري في هجو بني عبيد قوله في وصفهم ووصف سلوكهم :

عبدوا ملوكهم وظنوا أنهم ..... نالوا بهم سبب النجاة عموما
وتمكن الشيطان من خطواتهم ..... فأراهم عوج الضلال قويما
رغبوا عن الصديق والفاروق في ..... أحكامهم لا سلموا تسليما
واستبدلوا بهما ابن الأسود نابحا ..... وأبا قدارة واللعين تميما
تبعوا كلاب جهنم وتأخروا ......... عمن أصارهم الإله نجوما
أمن اليهود ؟ ام النصارى ؟ أم هم ....... دهرية جعلوا الحديث قديما
أم هم من الصابئين أم من عصبة ....... عبدوا النجوم وأكثروا التنجيما
أم هم زنادقة معطلة رأوا ........ أن لا عذاب غدا ولا تنعيما
أم عصبة ثنوية قد عظموا ...... النورين عن ظلماتهم تعظيما
سبحان من أبلى العباد بكفرهم ..... وبشركهم حقبا وكان رحيما
يا رب فالعنهم ولقهم ........ بأبي يزيد من العذاب أليما


وهو ها هنا ينتص لأبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي ويدعو له شأنه في ذلك شأن معظم فقهاء القيروان الذين ظنوا أن ثورة صاحب الحمار ناجحة لا محالة في تخليصهم من حكم بني عبيد .
ويقول في قصيدة أخرى طويلة أختار منها هذه الأبيات لأن فيها بيانا لعقيدة أهل السنة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الترضي والموالاة والسكوت عما شجر بينهم ورد ذلك إلى الله تعالى وهي النقاط التي يختلف فيها أهل السنة المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع الشيعة المبغضين لهم يقول :

وإنا بعد من خوف وأمن ....... نحب إذا تشعبت الأمور
رسول الله والصديق حبا ..... به ترجى السعادة والحبور
وبعدهما نحب القوم طرا ..... وما اختلفوا فيه فربهم غفور
ألا بأبي وخالصتي وأمي ...... محمد البشير لنا النذير
سأهدي ما حييت له ثناء ..... مع الركبان ينجد أو يغور


ولسهل الوراق – هو الآخر – قصائد في ذمّ الشيعة وهجوهم ووصفهم بما هم أهله من الكفر والظلم أختار منها ما له صلة بالبحث حتى يعرف القاريء أن أهل السنة المغاربة لم يتركوا وسيلة يمكن أن تحقق هدفها في مقاومة التشيع والشيعة إلاّ ابتغوها ولا سبيلا إلا سلكوه .
فمن ذلك قوله في ادعائهم النبوة :

غضب الإله على نبي لم يزل ..... حيران مغرورا أخا سكرات
منهمكا في خمره وسماعه ....... مترددا في الغي والشبهات
يا ابن الأراذل والمجوس أيا ابن من ..... هتك الفروج وضيّع الصلوات


ويقول في ظلمهم وما نال البلاد منهم من جور وظلم :

فلقد كسا طول البلاد وعرضها .... من جوركم ما فاق كل صفات
قوم إساءتهم إليك بقدر ما ...... أحسنت لا بل مثله مرات
ما قص في التنزيل سوءة أمة ...... إلاّ وفيهم ضعفها سوءات


ويقول متمنيا أن ينتقم الله منهم على يد أبي يزيد مخلد بن كيداد كما هو شأن أهل السنة في تلك المرحلة :

فلتقرعن عصاه كل مضلل ....... عادى النبي وحرف السورات
ولتطهرن الارض من ذي ردة ...... بالمقربين وكل طاغ عات


ويقول وهو يحكي كفرهم وظلمهم :

الطاعنين على النبي محمد ...... والقائلين بأسخف المقالات
إن الإمام هو النبي وإنه ......... رب تعالى الله ذو العظمات
هدم المساجد وابتناها منزها ...... لمضارب العيدان والنايات


ثم يختم القصيدة بلعنهم فيقول :

فعليه ما لبى الحجيج وطوفوا .... وعلى ذويه خوالد اللعنات

هذا وعندما هدد عبيد الله المهدي علماء المغرب بالإنتقام منهم إن لم يدخلوا في طاعته بقوله :

فإن تستقيموا أستقم لصلاحكم ..... وإن تعدلوا عني أر قتلكم عدلا
وأعلوا بسيفي قاهرا لسيوفكم ...... وأدخلها علوا وأملؤها قتلا


أجابه شاعر سني بقوله :

كذبت – وبيت الله – لا تعرف العدلا ....... ولا عرف الرحمن من قولك الفصلا
وما أنت إلا كافر ومنافق .......... تميل مع الجهال في السنة المثلى
وهمتنا العليا لدين محمد ......... وقد جعل الرحمن همتك السفلى


وهذه الأبيات لشاعر سني مجهول يهجو فيها العبيديين ولعله أخفى اسمه حتى يسلم من بطشهم يقول فيها :

الماكر الغادر الغاوي لشيعته ....... شرّ الزنادق من صحب وتباع
الناكثين عهود الله كلهم ......... قوم إلى سفه في الناس أوضاع
العابدين إذا عجل يخاطبهم ........ بسحر هاروت من كفر وتبداع
لو قيل للروم : أنتم مثلهم لبكوا ...... أو اليهود لسدوا صمغ أسماع
ولو عزونا إلى إبليس ما مكروا ....... لقال إبليس : ما هذا من أطباعي


هذا ما تيسر الوقوف عليه من أمر مقاومة أهل السنة المغاربة للفكر الشيعي في المغرب ولعل فيه غنية في إعطاء صورة عن هذا الجانب من جهاد المغاربة ضد المبتدعة على اختلافهم الأمر الذي جعل المغرب الإسلامي يبقى سليما من المبتدعة ويظل سنيا إلى يوم الناس هذا .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منــــتديات تبسة الإســـــلامية :: أقسام متنوعة :: الإنتصار لديــن الإسلام-